الشيخ علي الكوراني العاملي
58
الولادات الثلاث ( ط 2 - 1440 ه - )
بقية الأمور ، يسارع إلى نفي وجود ما لا يراه ! أما التعمق في الأمر فيقول : إن تسلسل الأسباب كله واقع تحت السيطرة فصاحب المسدس ونواياه وأفعاله ، والمقتول ونواياه وأفعاله ، هما تحت سيطرة العلم الإلهي المطلق ، والقدرة الإلهية المطلقة ، ليس عند وقوع الفعل فحسب ، بل من الأزل والى الأبد . وما دام الله تعالى يعلم ، فمن السهل أن يرسل ملك الموت ليقبض الروح ! وهل يصعب ذلك على الذي أمر مياه النيل أن تحمل تابوت الطفل موسى ( عليه السلام ) وتأخذه إلى ساحل قصرفرعون ! وأعقم فرعون وأمره وزوجته أن يجلسا في ذلك الوقت في حديقة قصرهما ، ليريا التابوت يطفو على وجه الماء ، ويُحضراه فيريا فيه طفلاً محبوباً ، ويتبنياه ! إنه مهما افترضنا قوة أنظمة الأسباب الظاهرة ، فهو لا يمنع من وجود أنظمة أسباب أعلى منها ، تهيمن عليها وتعمل معها . ( عن شهر بن حوشب قال : دخل ملك الموت على سليمان ( عليه السلام ) فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم إليه النظر ، فلما خرج قال الرجل : من هذا ؟ قال : هذا ملك الموت ، قال : لقد رأيته ينظر إليَّ كأنه يريدني ! قال : فما تريد ؟ قال : أريد أن تحملني على الريح فتلقيني بالهند . فدعا بالريح فحملته عليها فألقته بالهند . ثمّ أتى ملك الموت سليمان ( عليه السلام ) فقال : إنك كنت تديم النظر إلى رجل من جلسائي ! قال : كنتُ أعجبُ منه ، إني أُمرت أنْ أقبضَ روحه بالهند وهو عندك ) . ( تفسير الثعلبي : 7 / 329 ) . أقول : هذا يدلنا على أنه لا فرق في قبض الملائكة لروح الإنسان ، بين أن يموت بعد مرض طويل أو قصير ، أو يموت بالقتل ، أو بحادث سيارة ، أو كارثة . وبين أن يكون واحداً ، أوألوفاً . ما دام عِلْمُ الله تعالى محيطٌ بالأحداث والأسباب ، من الأزل إلى الأبد .